هناك ..حيث توقف الزمن// بقلم المبدع// ربيع دهام

 ( هناك ...حيث توقّف الزمنُ)


شاهراً إصبعه نحو مكانٍ بعيدٍ قال لي : "أتريد أن تذهب إلى هناك؟"

" هناك أين؟" ، سألته.

" هناك حيث توقّف الزمنُ" .

"وكيف باللهِ يتوقّف الزمنُ؟" ، أجبته.

قال : " تعال معي وسترى".

امتنعتُ.

" لا. لن أذهب معك إلى هناك. أأذهب إلى حتفي بأقدامي؟ أليس بالموتِ وحده يتوقّف الزمنُ؟ لا بدّ أنك ما إن أصل ستقتلني".

ضحك عليّ وقال : " أيها الحذقُ الغبيُّ. ليس بالموتِ يتوقّف الزمنُ بل بالحياة".

قهقهتُ لحكيهِ الغريبِ العجيبِ  : " وها أنا أعيش ومقصّ الوقتِ يقلّمُ أظافر أيامي ، وها أنا بالسعادةِ أحلمُ  وعقارب الساعةِ تلسع بالوقتِ أحلامي".

أجابني : " هذا لأنك تعيش ولا تحيا"

"وما الفرق؟" ، سألته.

"الفرق بين العيشِ والحياةِ  كالفرقِ بين الحرفِ والكلماتِ".

قلتُ له : " لم أفهم".

قال : " ذاك الحرفُ صّلْدٌ جافٌ مملٌ كئيبٌ ، من آلامِ العيشِ يعاني ، وتلك الكلمةُ مجموعةُ أحرفٍ قد تعاضدتْ فأزهرت في حياتِها المعاني".

قلتُ له : " أيضاً لم أفهم".

قال : " الحرفُ يعيشُ لنفسه فيبردُ وحيداً في صقيعِ الليالي ، والكلمةُ تدفىء حروفُها حروفَها ، فتحيا بخيرٍ وجمالِ ".

قلتُ له : " وأيضاً لم أفهم".

قال : " العيشُ صفحةٌ بيضاءُ ، يكوّرها الوقتُ ، كلّما طال في الزمنِ سُباتُها ، والحياةُ وإن رحلتْ ، تنتصرُ على الريحِ وعلى الوقتِ بكلماتِها ".

قلتُ له : " ما زلتُ لم أفهم".

فقال : " لو لم يكن للحرفِ حرفٌ يلاقيه ، ويمسك بيديه ويقويّه ، ويحميه في الشدّةِ ويفديه ، لتمكّن منه الوقتُ وراحَ، قبل أن يفنيه الموتُ ، يفنيه.

قلتُ له : " لا تيأس مني. لكني أيضاً لم أفهم".

قال : " إذن هلّم معي إلى هناك".

وشدّني من يدي ومثل الطفلِ جرجرني.

ولما وصلتُ ، وبجهد جهيدٍ ، إلى الأمامِ نظرتُ ،

رأيتُ طيفُها يقترب من بعيدٍ.

هذا وجهها. هذه مشيتها. هذه طلّتُها.

وهذه الضحكةُ ضحكتُها.

وتلك ...تلك هي الأحضانُ.

ولمّا عيني بعينها التقتْ ،

ورعشتي إلى نور الله ارتقت ،

صرختُ "حبيبتي" وغمرتُها

وتوقّفَ بحضنِها الزمانُ.


( بقلم ربيع دهام)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عقيدة // بقلم محمد أسعد التميمي

جمال خليل جابر // يكتب رائعته // همسات جمالية// 26/9/2020

كنت في يومك الأزرق// بقلم: فاطمة الزهراء اقريش